Monday, November 23, 2015

العقيدة في النبوة عند الطرفين

والخلاف الواقع بين الشيعة وأهل السنّة في هذا الباب هو موضوع العصمة ، فالشيعة يقولون بعصمة الأنبياء عليهم السلام قبل البعثة وبعدها ، ويقول أهل السنّة والجماعة بأنّهم المعصومون فيما يبلّغونه من كلام الله فقط ، أمّا فيما عدا ذلك فهم كسائر البشر يخطئون ويصيبون.
وقد رووا في ذلك عدّة روايات في صحاحهم تثبتُ بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أخطأ في عدّة مناسبات ، وكان بعض الصحابة يصوّبه ويصلحه ، كما في قضية أسرى بدر التي أخطأ فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصاب عمر ، ولولاه لهلك رسول الله ... (١).
ومنها : أنّه لما قدم المدينة وجد أهلها يُؤبرون النخل ، فقال لهم : « لا تؤبّروه وسيكون تمراً » ، ولكنّه جاء شيصاً ، فجاؤوه وشكوا له ذلك ، فقال لهم : « أنتم أعلم بأُمور دنياكم مني ».
وفي رواية أُخرى قال لهم : « إنّما أنا بشرٌ ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنّما أنا بشر » (2).
ومرّة يروون أنّه سُحِرَ وبَقيَ أياماً مسحوراً لا يدري مايفعل ، حتّى أنّه كان يخيّل إليه أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ (3) ، أو يخيّل إليه أنّه صنع شيئاً ولم يصنعه (4).
ومرةً يروون أنّه سها في صلاته ، فلم يدرِ كم صلّى من ركعة (5).
وأنّه نام واستغرق في نومه حتّى سمعوا غطيطه ، ثُم استيقظ فصلّى بدون وضوء (6).
ويروون : أنّه يغضب ويسبّ ويلعنُ من لا يستحقّ ذلك ، فيقول : « اللّهم إنّما أنا بشرٌ ، فأيُّ المسلمين لعنته أو سببتُهُ فاجعله له زكاة ورحمة ... » (7).
ويروون : أنّه كان مضطجعاً في بيت عائشة كاشفاً عن فخذيه ، ودخل عليه أبو بكر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ثمّ دخل عمر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ولمّا استأذن عثمان جلس وسوّى ثيابه ، ولمّا سألته عائشة عن ذلك ، قال لها : « ألا أستحي من رجُل تستحي منه الملائكة » (8) !!.
ويروون إنّه كان يصبح جُنباً في رمضان (9) فتفوته صلاة الفجر !! إلى غير ذلك من الأحاديث التى لا يقبلها عقل ، ولا دين ، ولا مروءة.
أمّا الشيعة ـ استناداً إلى أئمّة أهل البيت ـ فهم ينزّهون الأنبياء عن هذه الترّهات ، وخصوصاً نبيّنا محمّد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ويقولون بأنّه منزّه عن الذنوب والخطايا والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة ، وهو معصوم عن الخطأ والنسيان والسهو والسحر وكلّ ما يخالط العقل ، بل هو منزّهٌ حتى عمّا يتنافى مع المروءة والأخلاق الحميدة : كالأكل في الطريق أو الضحك بصوت عال أو المزاح بغير حقّ أو أيّ فعل يستهجنُ عمله عند العرف العام ، فضلاً عن أن يضع خده على خدّ زوجته أمام الناس ويتفرّج معها على رقص السودان (10) ، أو أن يُخرج زوجته في غزوة فيتسابق معها فيغلبها مرّة وتغلبه أُخرى ، فيقول لها : « هذه بتيك » (11).
والشيعة يعتبرون الروايات التي رويتْ في هذا المعنى ، والتي تتناقض مع عصمة الأنبياء كلّها ، موضوعة من قبل الأمويين وأنصارهم (12) :
أولاً : للحطّ من قيمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
وثانياً : لكي يلتمسوا عذراً لأعمالهم القبيحة وأخطائهم الشنيعة التي سجّلها لهم التاريخ.
فإذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يخطئُ ويميلُ مع الهوى ، كما رووا ذلك في قصّة عشقه زينب بنت جحش لمّا رآها تمشط شعرها وهي زوجة لزيد بن حارثة ، فقال : « سبحان اللّه مُقلّب القلوب » (13) أو قصّة ميله إلى عائشة وعدم عدله مع بقية زوجاته ، حتّى بعثنَ له مرّة مع فاطمة ومرّة مع زينب بنت جحش ينشدنه العدل (14).
فإذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على هذه الحالة ، فلا لوم بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ويزيد بن معاوية ، وكلّ الخلفاء الذين فعلوا الموبقات واستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء.
والأئمة من أهل البيت عليهم السلام الذين هم أئمه الشيعة يقولون بعصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ويأوّلون الآيات القرآنية التي يُفهمُ ظاهرها أنّ اللّه سبحانه عاتب نبيّه مثل : ( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) (15) ، أو التي في بعضها إقرار الذنوب عليه كقوله : ( لِـيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَـقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ ) (16) ، أو قوله : ( لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ ) (17) ، و ( عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنتَ لَهُمْ ) (18).
وكلّ هذه الآيات لا تخدش في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فبعضها لم يكن هو المقصود بها ، وبعضها الآخر يحملُ على المجاز لا على ظواهر الألفاظ ، وهو كثير الاستعمال في لغة العرب ، وقد استعمله سبحانه في القرآن الكريم.
ومن أراد التفصيل والوقوف على حقيقة الأشياء فما عليه إلّا الرجوع إلى كتب التفسير عند الشيعة ، أمثال : الميزان في تفسير القرآن للعلّامة الطباطبائي ، وتفسير الكاشف لمحمّد جواد مغنية ، والاحتجاج للطبرسي ، وغيرهم ؛ لأنّني رُمتُ الاختصار ، وإبراز عقيدة الفريقين بصفة عامّة ، وليس هذا الكتاب إلّا لغرض بيان قناعتي الشخصية التي اقتنعتُ بها ، واختياري الشخصي لمذهب يقول بعصمة الأنبياء والأوصياء من بعدهم ويُريحُ فكري ، ويقطعُ عني طريق الشكّ والحيرة.
والقول بأنه معصوم فقط في تبليغ كلام الله قولٌ هُراءٌ لا حُجةَ فيه ؛ لأنّه ليس هناك دليلٌ على أنّ هذا القسم من كلامه هو من عند الله ، وذاك القسم هو من عند نفسه ، فيكون في الأوّل معصوماً ، ويكون في الثاني غير معصوم ويحتملُ فيه الخطأ.
أعوذ بالله من هذا القول المتناقض الذي يبعثُ على الشكّ والطعن في قداسة الأديان.
وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين جماعة من الأصدقاء بعد استبصاري ، وكنتُ أحاول إقناعهم بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم ، وكانوا يحاولون إقناعي بأنّه معصوم فقط في تبليغ القرآن ، وكان من بينهم أستاذٌ من « توزد » منطقة الجريد (19) ، وهم مشهورون بالذكاء والعلم والنكتة الطريفة ..
ففكّر قليلاً ثم قال : ياجماعة ، أنا عندي رأي في هذه المسألة.
فقلنا جميعاً : تفضّل هات ما عندك.
قال : إنّ ما يقوله أخونا التيجاني على لسان الشيعة هو الحقّ الصحيح ، ويجبُ علينا الاعتقاد بعصمة الرسول المطلقة ، وإلّا داخلنا الشكّ في القرآن نفسه.
قالوا : ولم ذلك ؟
أجاب على الفور : هل وجدتُم أيّ سورة من سور القرآن تحتها إمضاء الله تعالى ؟
ويقصد بالإمضاء : الختمُ الذي يختمُ به العقود والرسائل ، دلالة على هوية صاحبها وأنّها صادرة عنه.
وضحك الجميع لهذه النكتة الطريفة ، ولكنّها ذاتَ معنى عميق ، فأيّ إنسان غير متعصّب يتمعّن بعقله ستصدمه هذه الحقيقة ، ألا وهي : الاعتقاد بأنّ القرآن كلام الله ، وهو الاعتقاد بعصمة مُبلّغه المطلقة بدون تجزئة ؛ لأنّه لا يمكن لأحد أن يدّعي بأنّه سمع الله يتكّلمُ ، ولا يدّعي أحدٌ بأنّه رأى جبرائيل عندما ينزل بالوحي.
والخلاصة : إنّ قول الشيعة في العصمة قولٌ سديد يطمئنّ إليه القلب ويقطع وساوس النفس والشيطان ، ويقطع الطريق على كلّ المشاغبين ، وخصوصاً أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين الذين يبحثون عن ثغرات ينفذون منها لنسف معتقداتنا وديننا ، والطعن في نبيّنا ، فتراهم كثيراً ما يحتجّون علينا بما أورده صحيح البخاري ومسلم من أفعال وأقوال تنسبُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو منها بريءٌ (20).
وكيف لنا أن نقنعهم بأنّ كتاب البخاري وكتاب مسلم فيهما بعض الأكاذيب (21).
وهذا الكلام خطير طبعاً ؛ لأنّ أهل السنّة والجماعة لا يقبلونه ، فالبخاري عندهم أصحّ كتاب بعد كتاب الله !

المصدر
http://shiastudies.net/article/arabic/Article.php?id=8574

No comments:

Post a Comment